سهيلة عبد الباعث الترجمان
191
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وما يراه ابن خلدون أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين واتباع التابعين من بعدهم طرائق الحق والهداية ، ولكن لما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الأول الهجري وما بعده ، وتمت الفتوحات الإسلامية ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ، وامتلأت العين والفم بالحلال والحرام ، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة ، واشتد الطمع وقوي رباطه وزال الورع وطوى بساطه ، وركنوا إلى اتباع الشهوات وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات ، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة تمييزا لهم عن غيرهم أمثال الجنيد والشبلي وأبو الطيب المراغي والواسطي ثم الغزالي والشاذلي من بعدهم وغيرهم وهكذا ، وقد ظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال والتروك والكلام في الأذواق والمواجيد التي تحصل عن المجاهدات ، تم تستقر للمريد مقاما ، أو يترقى منها إلى غيرها . ثم لهم بعد ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم ، وأول من تسمى بالصوفي هو " أبو هاشم الزاهد " في عصر المنصور سنة 145 هجرية ، وهو من قدماء زهاد بغداد ، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه « 1 » . على حين يذكر الهمذاني أن أول من سمي ببغداد بهذا الاسم هو " عبدك الصوفي " الذي كان من كبار المشايخ وقدمائهم « 2 » . كان قبل بشر بن الحارث الحافي والسري بن المغلس السقطي « 3 » وتوفي في حدود سنة 210 ه وارتسمت فيه أول صورة للتصوف السني . والواقع أن التصوف في هذه الحقبة كان يرتبط بجوانب الحياة كلها فهو يرتبط بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ويتجلى فيها قول أبي هاشم الزاهد : " أن اللّه وسم الدنيا بالوحشة ليكون انس المريدين به دونها ، وليقبل المطيعون إليه بالإعراض عنها . فأهل المعرفة باللّه فيها مستوحشون وإلى الآخرة مشتاقون " « 4 » .
--> ( 1 ) الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج - 14 ، ص 397 ، ط القاهرة 1931 . ( 2 ) ابن الجوزي ، صفة الصفوة ، ج - 1 ، ط الهند سنة 1356 ه ، ص 172 . ( 3 ) دائرة المعارف الإسلامية ، مادة التصوف ، ج - 5 ، ص 277 . ( 4 ) الخطيب البغدادي ، المرجع السابق ، ج - 14 ، ص 197 .